آخر مواضيع المنتدى

المتواجدين حالياً
11
الساعة


السيد الموسوي: لا يستطيع أحد أن يُنكر أن الإمام الخميني (رض)
أرسل إطبع ارسل رد على الموضوع حفظ المقال
تاريخ الخبر: 05/06/2009 م , تصنيف الخبر: مقالات ودراسات

بعد أدائه صلاة الظهرين من يوم الخميس 11/6/1430هـ، ألقى سماحة العلامة الحجة السيد عبد الله الموسوي كلمته الأسبوعية في جمع من المؤمنين، خصصها هذا الأسبوع للحديث عن الإمام الخميني (رض) بمناسبة ذكرى رحيله الحادية والعشرين، مبيناً سبب تعلّق قلوب الناس وحبهم للإمام، وعدم نسيانهم له طيلة تلك السنوات الماضية، مُرجعاًَ السبب إلى أن الإمام الخميني (رض) قدّم للإسلام صورة غير الصورة المعهودة في السابق، مستعرضا سماحته شيئاً من حياة الإمام الخميني العلمية والاجتماعية والأخلاقية، مشدداً على أن الإمام الخميني (رض) هو رائد الصحوة في عصرنا الحديث، وأنه كان مصدر الفخر للمتدينين لدى الطرفين من الشيعة والسنة على حدّ سواء، موضحاً أن الإمام الخميني (ق.س) لم يكن يبحث عن الوجاهة طيلة وجوده المبارك سواء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو في خارجها، وأنه لم يستخدم العمامة من أجل الوصول لأهداف سياسية كما فعل ويفعل البعض، وفي التالي نص تلك الخطبة:

 

 

(( بسم الله الرحمن الرحيم))

 

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قال تعالى:  { ... إنما يخشى الله من عباده العلماء ... } [فاطر/28] صدق الله العلي العظيم.

 

ذكرى عظيمة وتعلّق بصاحبها العظيم

 

نعيش الذكرى العشرين لرحيل إمام الأمة الإمام الخميني رضوان الله عليه، الذكرى العشرين بالنسبة للسنة الشمسية، وإلا بالنسبة للسنة القمرية فنحن نعيش الآن ذكراه الواحدة والعشرين فقد أتممنا السنة العشرين في شهر شوال الماضي وفي شهر شوال القادم سندخل السنة الثانية والعشرين، وما أقصر هذه الأيام وتلك الليالي حقيقة.

 

قدّم الإسلام بصورة غير الصورة المعهودة
ما الذي يربطنا بالإمام رضوان الله عليه؟!

 

لماذا مضت اثنتان وعشرون سنة والناس لا تزال متعلقة بالإمام الخميني رضوان الله عليه؟!

الإنسان بعد سنة أو سنتين من وفاة أبيه فإنه ينساه وينتهي حينئذٍ، لماذا الإمام الخميني لا يزال حياً في النفوس؟! لا يزال حياً في القلوب؟! لا يزال حياً في العواطف؟!

 

الإمام رضوان الله عليه إذا اردنا أن نعرف لماذا لا يزال فينا، لنستعرض حياته وماهي الأمور التي أرساها فينا، لا شك أن أيّ ناظر لهذا العصر ستجتذبه حالة الصحوة وحينما يُسأل  من كان وراء هذه الصحوة؟! فإنّ الأيدي والأكف والقلوب تشرئب إلى تماثيل وصور الإمام الخميني رضوان الله عليه، لا يستطيع أحد أن يدعي خلاف ذلك، الإمام الخميني هو رائد الصحوة الحديثة، الإمام الخميني أخرج المتدينين من حالة إلى حالة، وليس فقط المتدينين، بل جذب غير المتدينين أيضاً، من كان يعيش نفرة من الدين، من كان ينظر إلى الدين نظرة تخلف والدين يعتبره أفيون ويعتبره علاقة بين العبد وبين ربه فقط، هذا لم يكد يسمع باسم الإمام رضوان الله عليه إلا وهجر كل تلك الأفكار وأقبل على شخصية الإمام الخميني رضوان الله عليه التي أعطته للدين أبعاداً أخرى غير الأبعاد التي كان هذا الشخص يعتقد بها، الإمام الخميني أعطى لرجل الدين نموذجاً، بمعنى أنه أعطى للإسلام صورة غير الصورة التي فهمها الناس وأعطى لرجل الدين صورة غير الصورة التي كان يعرفها الناس، أعطاه هذه الصورة باعتباره عالماً لا باعتباره سياسياً، وهناك فرق بين الأمرين، فهو رجل دين ينظر إلى الأمور بمنظار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة، وبمنظار مصالح المسلمين والمعرفة بشؤون المسلمين تارة أخرى، وثالثاً ينظر إلى الأمور بمنظار: (من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم)، من هذه المنطلقات الثلاث تحرك الإمام باعتباره عالماً، وهناك فرق بين الأمرين، لذلك لا أريد أن يكون هناك خلط، فالإمام انطلق من هذه المنطلقات بخلاف بعض الساسة الذين يجدون في أنفسهم تعباً ونصباً حينما يريد أحدهم أن يُخاطب الناس، فيقول الناس منجذبة للناس وللعمامة، فحينئذٍ ماذا سأفعل؟ سألبس عمة وأصبح رجل دين لأسوّق أفكاري، وهذه هي المشكلة في عصرنا الحاضر، أن سياسياً يلبس العمامة علمانياً يلبس العمامة هو غير مؤمن بالدين وغير مؤمن بسياسة الدين، لكنه يلبس العمامة لتسويق أفكاره، الإمام لم يكن إلا عالم دين ورجل دين مستقيم، يريد أن يطبق مفاهيم الدين على سلوكياته وسلوكيات الآخرين، فرق بين الاتجاهين.

 

ببعض العمائم يمكن تسويق الأفكار

 

 هناك اتجاه يلوي عنق الدين، أوليس أحد المعممين وقف وقال: ( نريدها حكومة علمانية ) عجيب! إذا كنت تريدها حكومة علمانية وأنت رجل دين، وحامي دين، فلماذا إذن ترتدي العمامة؟! لماذا تكذب على الناس؟! انزع هذه العمامة لأنك لا تؤمن بالدين، إلا كنمط شخصي، والنمط الشخصي يجعلك كرجال الكهنوت الذين لا يتلوّثون بالسياسة، وأنت نفترض فيك أن تكون رجلاً كهنوتياً، إذن أحياناً العمائم كما يقول الإمام الخميني في بعض خطبه: بعض العمائم تريد أن تسوق فكراً معيناً، لذا دعونا ننتبه لها، وفرق بين أن الدين يأمرني، فلسفة الدين هذه، طريقة الدين هذه، مفاهيم الدين هذه، وبين أنني ألوي عنق الحقائق الدينية لتخدمني أنا، لتكون مطية لي باعتباري رجل دين، ولأن الناس لا يقبلون من أي شخص فأنا أضع العمامة لأقول لهم الفكر بهذه الكيفية فيعتقدون بأنني عن الدين أنطق وربما آتي بمجموعة من الأدلة، ربما أنطق بمجموعة من الآيات، { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } [الأنفال/61]  ) جيء بهذه الآية في زيارة لخصوم الله عز وجل، شخص يزور اليهود ويتعامل معهم فيأتي لك بدليل قرآني، أنه إذا جنحوا للسلم فاجنح لها، أليس هذا المراد؟!

 

وفي شريح القاضي ما يُدلل على ذلك، فقد قال في حق الإمام الحسين (ع): ( الحسين خرج عن حدّه فقُتِل بسيف جدّه )، الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه الذي يقول عنه جده (ص): " أحب الله من أحب حسيناً"، وقال: " حسين مني وأنا من حسين " ويقول عنه وعن أخيه الإمام الحسن صلوات الله وسلامه عليهما: " الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا "، ثم يأتي هذا الشخص ليقول عن ريحانة رسول الله (ص): ( الحسين خرج عن حدّه، فقُتِل بسيف جدّه )؟! والذي يُقتل بسيف رسول الله هل يُبكى عليه؟! قطعاً لا يُبكى عليه، ولاحظ العبارة المستخدمة هنا، أن الإمام خارج عن الدين في قوله: ( خرج عن حده ) فأراد أن يغير في دين جده فقتل بسيف جده، هذه تحصل حينما يتستّر رجل السياسة بالعمامة.

 

الإمام الخميني رضوان الله عليه لم يكن من هذا النمط من الرجال بل كان رجل دين وعالم دين أراد أن يطبق الدين، لذا حصل على دعم مراجع الدين وعلماء المسلمين قاطبة، لم يشذ منهم أحد، من تابع نهضة الإمام الخميني رضوان الله عليه، نجد أن كبار العلماء آنذاك من هم؟! كبار المراجع: السيد الميلاني، السيد الحكيم، السيد المرعشي النجفي، السيد القلبيقاني، السيد الشاهرودي، وكلهم بادروا إلى إصدار البيانات وإرسال الرسائل إلى الشاه، يطلبون منه إطلاق صراح الإمام الخميني رضوان الله عليه حتى قال السيد محمد هادي الميلاني رضوان الله عليه: ( إن مطلب الخميني هذا هو مطلب كل العلماء ) فالإمام الخميني لم يأتِ بشيء جديد حينئذٍ، الفرق بين الإمام الخميني (رض) وبينهم كما يقول السيد هادي الميلاني (رض) أيضاً: ( أن المرجعية والاجتهاد يمكن الحصول عليهما بسهولة ويمكن أن يتوفر في الكثيرين، ولكن قيادة الأمة قليل من يتمتع بها، والخميني يحوز الأمرين معاً )، هذا كلام السيد محمد هادي الميلاني الذي يعتبر من أكابر مراجع الطائفة في زمانه.

 

إذن الإمام الخميني (رض) لم يكن سياسياً ويجعل من الدين مطية، كان عالماً أراد أن تُطبق المفاهيم الدينية وأراد أن يُطبق الإسلام، هذا هو الفرق بينه وبين غيره.

 

  لم يكن يسعى للوجاهة

 

الإمام رضوان الله عليه لم يكن ليسعى في القضايا الوجاهتية، والمعروف عن الإمام حينما كان في قم المقدسة وحينما كان في النجف الأشرف أيضاً لم يكن ليسعى لأن يكون، ومن المتعارف عليه في الوسط العلمائي أن يُخرج العالم تعليقته إذا كان لديه تعليقة على العروة الوثقى، أو على غيرها كتوضيح المسائل وما إلى آخره، يسعى إلى إظهاره وإبرازه باعتباره أثراً علمياً ينبئ عن مباني علمية، هذه المباني العلمية تكون مجالاً للأخذ والرد فيها، أولاً: باعتبارها أثراً علمياً، وثانياً: باعتبار هذه الرسالة وهذه التعليقة ربما يحتاج إليها شخص ما في التقليد، ليس على أن الكاتب هو الأعلم، وإنما على أساس أن المسألة فيها احتياطات وجوبية يرجع المكلف فيها للأعلم فالأعلم، فهو يقول أنا لستُ أعلم من المرجع العام ولكنني في الطبقة الثانية فأحل مشكلة لهؤلاء المؤمنين، والأمر الثالث: تطبع الرسائل العملية أحياناً من أجل أن العالم يرى نفسه ممن هو مؤهل للمرجعية، والمؤهل للمرجعية تارة يكون باعتباره يقول بالمرجعية ويقول بأنه يرى في نفسه بأنه أعلم من الآخرين، وتارة لا باعتباره يقول بأنه أعلم من الآخرين، وإنما يعتبر نفسه عالماً غير أعلم من الموجودين، ويجوز تقليد غير الأعلم عنده، فيقول: أنا أطرح رسالتي فأنا غير أعلم، وتقليد غير الأعلم مجزئ ومبرئ عنده، وتارة يطرح رسالته العملية ليسد الفراغ بعد وفاة المرجع، في كل هذه الحالات يطرح صاحب الرسائل العملية باعتباره أحد الأفراد الذين شبهة الأعلمية والمرجعية محصورة فيهم، فيتصدى لهذه الأمور، والإمام الخميني رضوان الله عليه لم يطبع رسالته العملية حتى على هذه الأسس والاضطرابات، بل بعد رحيل السيد البروجردي ( رض)، والعلماء يعرفون بأن لدى الإمام الخميني (رض) تعليقة على العروة الوثقى ويعرفون بأن لديه تعليقة على وسيلة النجاة، ويعرفون آراءه ومبانيه على توضيح المسائل.

 

 حيثُ طُلب منه بعد وفاة السيد البروجردي مجموعة من العلماء أن اطبعْ رسالتك العملية اطبع تعليقاتك، حتى أن بعض أصحاب دور النشر جاء للإمام رضوان الله عليه، وطلب منه - كما ينقل بعض العلماء - طلب منه أن يطبع رسالته العملية، وطريقة الطرح كانت هكذا: قال سيدنا: أنا مررت على فلان وفلان وذكر مجموعة من العلماء المحصورة فيهم المرجعية، وقلت لهم سوف آخذ تعليقات كل واحد منكم على العروة الوثقى وأطبعها على ( العروة الوثقى ) فيكون لدينا كتاب فيه ست تعليقات أو أربع تعليقات لمراجع قم، لكن بشرط أن كل مرجع يشتري مني ألفي نسخة - فإذا اشترى كل مرجع ألفي نسخة فإن هذه هي تكلفة الطباعة كلها، فالمسألة تجارية بحتة - والباقي يقوم بتسويقه هو بنفسه، وذكر للإمام أن بقية العلماء قبلوا كما يقول هو، وبقي الإمام الخميني وهو يتفاوض معه، لكن الإمام قال له: لا! فإذا أردت أن تطبعها وتسوّقها  فافعل أما أنا فلا أشتري منك شيئاً، هذا هو الإمام الخميني لم يسعَ في قضايا طرح نفسه، مع أن هناك قسم كبير من العلماء يرون أعلميته قطعاً على غيره.

 

كان يبتعد عن خفق النعال خلفه

 

الإمام الخميني (رض) أيضاً من الناحية الوجاهتية نجد أن هناك أسلوباً كان يستخدمه الحواشي والطلبة لمن يريدون إلفات نظر الناس إلى مستواه العلمي، أنه حينما يخرج في تشييع أحد العلماء فإنه يُحيطون به، وإذا قربوا من مجموعة من الناس رفعوا أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد، يريدون أن ينبهوا على أن هذا مرجع من العلماء الذين هم مطروحون للمرجعية، لكن الإمام (رض) كان يتهرّب، وكان عجيباً في هذا الأمر فلم يكن يخرج وبمجرد أن يرى الناس بدأوا يتحلّقون حوله فإنه يرجع للبيت، ولم يفعل ذلك مرة واحدة وحسب، يقول أحد تلامذته: نحن نعرف أن الإمام لا يرضى ولا يرتضي خروجنا معه، يقول هذا التلميذ: في يوم من الأيام علمنا أن الإمام الخميني سيزور السيد حسن البجنردي رضوان الله عليه، كان يتحدث مع أحد مسؤلي مكتبه فعلمنا بذلك، ونعرف أنه لا يرضى لأحد من الطلبة بأن يمشي خلفه، يقول: تركناه يمشي مسافة حتى يدخل في النافذ الذي يؤدي إلى منزل السيد حسن البجنردي، حينها نأتي خلفه مباشرة، الإمام وصل وأخذ يطرق باب السيد البجنردي رضوان الله عليه، وكان لبيت السيد البُجنردي بابان، باب يُسمّى البرّاني، الذي يُخرج على المجلس بلغتنا وباب للدخلاني للنساء، والبابان قريبان من بعض فالإمام كان يطرق الباب ثم فُتِح الباب فأجابوا ثم ذهبوا ليأخذوا الإذن من السيد حسن، هل هو مُهيأ أو غير مُهيأ، وكان السيد مريضاً في ذلك الوقت، يقول راوي القصة: في هذه الأثناء رأينا الإمام واقفاً وهو يطرق الباب وقد فُتح الباب وتأكدنا بأن السيد الخميني واقف، فقد أيقنا أن الإمام لن يترك المكان ويمشي فأتينا مسرعين فلمحنا الإمام من بعيد، حينئذٍ دخل الإمام الخميني الدار وأغلق الباب خلفه، حتى لا نأتي خلفه، والمقصد من ذلك أنه لا يريد أن يكثر خفق النعال خلفه.

 

من خصائصه (رض) في هذه المسائل كثير من القضايا قرأتُها والله عن كثير من طلبته يقول هكذا: إن الإمام حينما يسمع حركة الحذاء خلفه فإنه يقف، يلتفت وإذا رآنا نحن من طلابه فإن يسأل كل واحد منا: هل لديك مسألة أو لديك شيء فنجيبه لا، فيقف حتى نتحرك، كل هذا حتى لا نمشي خلفه، وإذا وقف أحدنا ولم يتحرك كما نقول نحن بلغتنا صار ثقيل دم، فإن الإمام يسأله هل لديك مسألة أو شيء وإلا فامشِ، إلى هذه الدرجة الإمام الخميني (رض) كان يبتعد عن خف النعال.

 

لم يكن مستقلاً بالصلاة جماعة

 

من المعروف عند العلماء أن العالم الجليل عادة يُصلّي جماعة، مطلقاً، لكن الإمام رحمة الله عليه كان يذهب للصلاة خلف بعض العلماء كالسيد الخُنساري عليه الرحمة في المدرسة الفيضية، وظل هكذا مستمراً فكان السيد الخُنساري إذا ما غاب فإنه كان يُقدّم الإمام الخميني رضوان الله عليه، والسيد الخُنساري يعتبر أحد كبار المراجع الثلاثة الذين كانوا يُديرون حوزة قم بعد الشيخ الحائري، وهم كلٌّ من : السيد محمد حُجة الكُوكمري، والسيد صدر الدين الصدر أبو السيد موسى الصدر رضوان الله عليه، والسيد محمد تقي الخنساري، بعد ذلك كان يصلي خلف السيد أحمد الزنجاني أحد كبار العلماء وكان زميلاً للإمام الخميني (رض) فكان الإمام تارة يُصلي والسيد أحمد الزنجاني يُصلي خلفه وتارة أخرى يصلي السيد أحمد الزنجاني والإمام الخميني يُصلي خلفه، أي أن من يأتي أولاً يصلي والمتأخر يصلي خلف الآخر، لكن الإمام لم يكن حريصاً أن يكون مستقلاً بالصلاة.

 

تُروى حادثة لطيفة بين الإمام الخميني (رض) وبين السيد الحكيم ( رض ) فعندما أُخرِج الإمام الخميني من إيران وجيء به إلى النجف الأشرف، فعندما جاء إلى النجف الأشرف زاره السيد الحكيم رضوان الله عليه، وقال للإمام الخميني (رض): ( سيدنا أين سَتُصلّي؟!) تماماً كطبيعة العلماء في طرح هذا السؤال، والمراد منه أنه يريد أنه هل عرض أحد عليكم الصلاة في مسجد ما، وأراد أنه إن لم يوجد هناك مسجد فنحن سنكون في خدمتكم، بحيث نرتّب لكم أحد المساجد فنطلب إلى أحد المراجع ترك مصلاه للمرجع الضيف، تماماً كما فعل السيد صدر الدين الصدر (رض) للسيد البروجردي حيث أنه كان يُصلي في الحرم فدعاه السيد البروجردي أن يصلي في مصلاه، وهذا هو ديدن العلماء، لذلك نجد الإمام الخميني (ق.س) قطع الطريق منذ البداية، وحسم الأمر فقال للسيد الحكيم (رض): ( أنا حتى في قم لا أصلّي في مسجد جماعة )، بمعنى أنه لا مسجد لي أصلي فيه كإمام جماعة ، يقولون: إن في جواب الإمام الخميني للسيد الحكيم شيئاً من الخشونة، لذلك سكت السيد الحكيم وأعرض عن الموضوع، والإمام الخميني في هذا الموقف يريد أن يقول: ليس مهماً بالنسبة لي الصلاة مكاناً أي أن يكون صاحب المسجد الفلاني أو المكان الفلاني.

 

يُصلّي جماعة في بيته ولا حرج

 

 لكن هل الإمام الخميني (رض) لم يكن يُصلّي جماعة كإمام مباشر؟! طبعاً لا، فقد كان الإمام الخميني في قم المقدسة بعد وفاة السيد الزنجاني وبعد ما قلّده الناس بعد السيد البروجردي ( رض) مباشرة كانت حركته فيها شيء من الصعوبة، بمعنى أن هذا يلحق به وذاك يتبرّك به وهذا يقبل يده وآخر يقبل رأسه، فكانت حركته صعبة نوعاً ما، وهذا الوضع يومياً حيث كان يفعل ذلك ظهراً ومساء فيذهب إلى الحرم، فأقام الصلاة جماعة في بيته، ونحن نعرف كمسلمين قاطبة أنه تقام صلاة الجماعة في البيت أوفي الشارع، أو في أي مكان، فبمجرد أن تقوم الصلاة فإن المسلم يقيم الصلاة جماعة، لكن قد يأتيك شخص ويقول لك: لا تُصلّي في بيتك، أولا لا تصلي في الشارع، هذه الحالة غريبة وبعيدة عنا نحن المسلمين، فالمعروف عنا نحن المسلمين أننا نصلي أي مكان، لذا فإن الإمام الخميني (رض) كان يصلي جماعة في بيته، وهذا كما قلت كان شعاراً للمسلمين، بمجرد أن يحكم وقت الصلاة فإنهم يؤدونها جماعة، وليس لديك تحفّظ أن تُصلي في بيتك أو في بيت جارك أو تصلي في الشارع، لذا كان الإمام يصلي جماعة في بيته يصلي الظهرين والعشائين، إلى أن انتقل إلى النجف الأشرف فبقي أياماً يُصلي في داره في البراني على هذا المنوال.

 

 تصرّفٌ في مال الغير.. وهذا لا يجوز شرعاً

 

تُنقل بعض المسائل الدقيقة التي تعبر عن دقّة الإمام رضوان الله عليه، يقولون: في أحد الأيام دخل الإمام الخميني (رض) وكانت الأحذية كثيرة جداً، فإذا أراد أن يذهب إلى الصلاة أو إلى المحراب فإنه يتوجب عليه أن يطأ الأحذية لكن الإمام اعتبر أن الوطء على الأحذية نوعاً من التصرّف في مال الغير، فلم يدخل حتى أن الجماعة أحسّوا بذلك فقاموا يتحرّكون ويفسحون المجال، لعمل طريق للإمام، إلى هذه الدرجة.

 

 وكثير من العلماء كان يقول: إنني لم ألتفت إلى هذا الجانب، لم أكن ألتفت أن هذا النمط من التحرك يعتبر تصرّفاً في مال الغير، إلى أن رأيت الإمام الخميني يتجنّبه فعلمتُ أن هذا تصرّف في مال الغير، فليس التصرّف في اللبس فقط فقد يكون استخدامه إتلافاً له، وهذا نوع من أنواع التصرف، وهو غير جائز شرعاً.

 
وبعد إصرار.. صلَّي في المسجد

 

لكن الإمام الخميني (ق.س) عندما جاء إلى النجف الأشرف الوضع مختلف، جاء متولٍ لمدرسة السيد البروجردي رضوان الله عليه، فطلب من الإمام أن يصلي في مدرسة السيد البروجردي (رض)، وجاء السيد محمد تقي بحر العلوم أحد العلماء (رحمة الله عليه ) وطلب من الإمام أن يأتي ليصلي الظهرين مكانه في مسجد الترك، وبدأ يصلي في مسجد الترك، الظهرين، ويصلي العشائين في مدرسة السيد البروجردي (رض)، الإمام لم يكن يبحث عن هذه المسائل أو هذه الأدوات الوجاهتية، لذلك بعد إصرار السيد محمد تقي بحر العلوم رحمة الله عليه، وعندما جاء يطلب من الإمام فإن الإمام رفض، ولم يذهب مباشرة بمجرد أنه طلب منه بل في المرة الثالثة قال له: سيدنا أنا تعبت أنا كبير في السن، وليس لدي القدرة على الصلاة جماعة، فاذهب أنت وصلِّ، هنا الإمام رضوان الله عليه قبل، وبعضهم بمجرد أن يُطلب منه فإنه يذهب مسرعاً للصلاة، أتذكر أننا كنا في مجموعة من الفضلاء والعلماء ومجموعة من المعممين، وكنتُ معهم فصار وقت الصلاة، وكان معنا أربعة أوخمسة أفراد من العلماء كانوا أكبر في السن منا وأقدم في الدراسة، وكل فرد يطلب من الآخر أن يتقدم للصلاة، وهذه العادة لدى العلماء، بينما هم يتعازمون على الإمامة للصلاة، فوجئنا بأحد الأفراد وكان من طلبة العلوم الدينية المبتدئين تقدّم الجميع وصلّى، وكانت محرجة للآخرين، حيث أن نصف من هو موجود لم يُصلِّ جماعة.

 

بصمة على الجميع سنة وشيعة

 

 لذلك الإمام في هذه المسائل يختلف عن غيره، فقد كان الإمام حقيقة كان أهم عامل عنده بالإضافة إلى العامل الأول أنه لم يبحث عن وجاهة، ولأن الوقت أخذنا في الحديث، لذلك فأنا في المستقبل إن شاء الله يتم الحديث في بعض النقاط الهامة في حياة الإمام الراحل (ق.س)، لكن الشاهد أن الإمام رضوان الله عليه واقعاً تعلقت قلوب الناس به سببه إخراجهم من حيرة الخوف والتردد، إلى الإقدام والشجاعة إلى الشعور بالفخر حينما يقول بأنني متديّن مسلم، سواء كان مسلماً سُنياّ أو مسلماً شيعياً، وكذلك يفتخر عندما يقول بأنني من أتباع مذهب أهل البيت (ع) وفي ذلك الوقت ما قبل مجيء الإمام لم يكن لدينا هذه الحالة من الفخر حقيقة، حتى المسلم مطلقاً لم تكن لديه هذه الحالة من الفخر، لكن عندما جاء الإمام (رض) أعطى القيمة للمتدينين مطلقاً سُنّة وشيعة بلا فرق حقيقة، فالناس كانوا يتّجهون إلى الانحدار من كلا الطرفين ولكن عندما جاء الإمام زاد الالتزام والتمسك بالدين ومن يقرأ تاريخ الصحوة الحديثة يجد هذا واضحاً في أمرين: في الشكل سواء في الشوارع وفي غيرها، وفي النتاج العلمي أيضاً، من كلا الطرفين، عندما تنظر إلى مستوى الإنتاج العلمي عند هؤلاء وعند هؤلاء في هذه الفترة الزمنية تجد بأن للإمام رضوان الله عليه بصمة في ذلك، إن شاء الله في وقت آخر يمكن الحديث عن الإمام في الجهات الأخرى.

 

والخاتمة دعاء

 

 نسأل من الله عز وجل أن يتغمّد الإمام الخميني برحمته، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يخذل أعداءه وخصومه، كما نسأل منه أن يحفظ ويعز ولي أمر المسلمين، كما نسأل منه سبحانه وتعالى أن ينصر حكيم آل محمد، والمرابطين على الثغور، ونسأل منه عز وجل أن يحفظ مراجعنا وعلماءنا وأن يدفع السوء والشرور عن المسلمين خصوصاً شيعة آل محمد في مشارق الأرض ومغاربها، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.


رشحنا لأفضل المواقع الشيعية
القائمة الرئيسية
البحث
الكل
المكتبة الصوتية
الأخبار
الصفحات الفرعية
مركز التنزيل
أحصائيات الشبكة

عدد الزوار

Alexa Certified Site Stats for www.alsfir.net

free counters