آخر مواضيع المنتدى

المتواجدين حالياً
8
الساعة


مع الخالق والخلق في مدرسة الزهراء (ع)
أرسل إطبع ارسل رد على الموضوع حفظ المقال
تاريخ الخبر: 13/05/2009 م , تصنيف الخبر: فعاليات اجتماعية
سماحة السيد حسن النمر

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين. اللهم اجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم. رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

يصادف يوم غد ذكرى استشهاد الصديقة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها)، على بعض الروايات، لذلك جرى العرف بين المؤمنين بتسمية هذه الأيام بـ(الأيام الفاطمية). نسأل الله أن يجزل لنا و لكم في هذا المصاب الجلل. ومن المناسب أن يكون الحديث عنها (صلوات الله وسلامه عليها)، لنستلهم من مدرسة الزهراء بعض ما ينبغي استلهامه من الدروس.

الأمر الأول: دعوات التكفير

لكن قبل يدي الحديث لا بأس أن يبدي الإنسان، بل ينبغي للإنسان، أن يبدي أسفه عما صدر عن بعض من المتصدين للشأن الديني؛ ممن يحتل منصباً رفيعاً في هذه البلاد، وكان في باب المافاضلة بين مكة المكرمة والفاتيكان، وكان يقول أن مكة المكرمة هي أعلى وأجل قدراً، وهي كذلك، من الفاتيكان؛ لأن الكعبة في مكة والكعبةُ قبلةُ المسلمين ... إلى آخر ما ذكره.

وفي ثنايا حديثه ذكر مسألة ترتَّب عليها الكثير من الدمار والخراب في هذه الأمة، وهي مسألة (التكفير)، التي أشرنا فيما مضى أن للتكفير؛ من أي شخص صدر، لا يتصورن أحد أن تداعياته ستقف عند مقابلة مع هذه الإذاعة أو تلك، بل سيترتب على ذلك تشكيل وعي لدى شريحة ممن يصنفون أنفسهم ضمن المتدينين؛ الذين يلزمهم العمل على تطبيق أعمال الشريعة. فإذا ترتب على التكفيرِ التفجيرُ؛ كما حصل في بعض البلدان المجاورة وكما حصل في كثير من بلدان المسلمين، فالمسألة تتجاوز حدود الرأي الذي ينبغي أن يُحترم، لأن من حق أي كان أن يعتقد في أي كان من الناس أنه من المؤمنين أو ليس من المؤمنين من المسلمين أو ليس من المسلمين من الكفار أو ليس من الكفار، لا يستطيع أحد أن يحجُر على أحد أنماط التفكير وأنساق التفكير.

من الطبيعي أنَّ مَن ينطلق من مقدمات معينة أن تنتهي به هذه المقدمات إلى عدد من النتائج. لكن على الإنسان أن يكون حكيماً في التصريحات التي يلقيها خصوصا إذا كان في موقع حساسٍ؛ كموقع هذا الشخص الذي نطق بما تفوه به مما يُعاب على مثله أن ينطق به؛ على خلاف ما يقرره نظام الحكم في هذا البلد.

نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ينص على أن جميع سكان المملكة من المسلمين. وبالتالي إذا صدر من صغير أو كبير ما يخالف هذه المادة فهو يخالف نظام الحكم؛ أي الدستور، في هذه البلاد.

فإذا ترتب على المسألة أخطاء أخرى، فإن المسألة تدخل في عالم البعد الجنائي والبعد السيادي للبلد والبعد الاستراتيجي للبلد والتشويه!! ويكفي بلادنا تشويهاً ما حصل، يكفي! يكفي هذا الذي حصل بحيث وُسمت هذه البلاد والفكر المصدَّر من هذه البلاد بأنه فكر إرهابي وتكفيري!! ألا يكفي أن يتعظ هذا وذاك؟!

لنحاول أن نحسِّن سمعة هذا الوطن الذي ينتمي إليه الجميع. ولا يزايدنَّ أحدٌ في الانتماء إلى هذا الوطن! هذا الوطن مَن يعيش في شماله وفي جنوبه في شرقه وفي غربه وفي وسطه على حد سواء. الجميع اشترك في بناء هذا الوطن، الجميع شريك في الحقوق في هذا الوطن، والواجبات التي تلقى على عاتقه في هذا الوطن.

أما أن تأتي شريحة أو يأتي أفراد يعتقدون أن لهم وصايةً على الناس، هذا سيضر الوحدة الوطنية، سيضر بالبلاد، وهو خلاف نظام الحكم، على خلاف تصريحات أعلى مقام في هذا البلد وهو خادم الحرمين الشريفين الذي جاء في هذه المنطقة الأسبوع الماضي وأكَّد وأصرَّ، وأعلن في وسائل الإعلام: لا نسمح بأي دعوة تمييزية وعنصرية)! كيف يُقابَل هذا المقام السامي؟! كيف يُقابل ملك البلاد بمثل هذا التصريح الأهوج؟! التصريح غير المسؤول الذي يمكن أن يجر البلاد إلى ما لا يُحمد عقباه خلاف ما سمعناه بآذاننا من النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء سمو الأمير الملكي نايف بن عبدالعزيز الذي أكَّد على: أننا لا نسمح بمثل هذه الدعوات التمييزية) وقد سمعه كلُّ مَن حضر في مجلسه حينما وفقنا إلى ذلك قبل ثلاثة أسابيع!

هل تدار هذه البلاد بغير هذا المنطق؟! هل هناك دين آخر؟! ليحتفظ كلٌّ بدينه الذي يرجع إليه! لكن أن يسوِّقه على الناس كما لو كان رأي الدولة فهذا يحتاج إلى كثير من الوقفات وإلى كثير من التساؤلات.

نسأل الله سبحانه و تعالى أن يرد هذه الدعوة المنكَرة إلى أصحابها، وأن يعيد إلى هؤلاء العقلَ المسؤولَ لينطق كلٌّ بما فيه لله رضى وللناس صلاح.

أكتفي بهذه الوقفة لأنها شقشقة لابد أن نتوقف عندها، ونتأسف على مثل هذه الدعوات.

***

الأمر الثاني: ذكرى شهادة الصديقة البتول
 

هناك مصاب الزهراء وأترك هذا الباب للمنبريين المتخصصين الذين هم أقدر مني على تناول هذه المسألة، لكن أريد أن أقف عند بعض تراث الزهراء (صلوات الله و سلامه عليها)، لأن ما خلَّفته لنا من التراث الفكري الثرَّ كفيلٌ بأن يستشعر الإنسانُ حجمَ الألم والفجيعة الكبرى التي تحل عند وفاة الزهراء وشهادتها (صلوات الله وسلامه عليها).

حينما يتوفى رسول الله ، حينما ينتقل إلى العالم الآخر أمير المؤمنين، وأمثال هؤلاء فإن الخسارة لا تُقدر بثمن، يعني أن هناك حبلاً من المعرفة حبلاً من العصمة بالله انقطع من الناس، لذلك من الطبيعي أن يستشعر العقلاء والحكماء والمحبون لأنفسهم الألم.

إذا رجعنا لها (صلوات الله وسلامه عليها) وسبرنا سيرتها؛ في حدود ما وصل إلينا، سنصل إلى حجم الخسارة التي سأختم بما جاء على أمير المؤمنين
 [في هذا الصدد].

أقرأ مقطعاً مما كانت تتلوه في تعقيبها لصلاة العشاء، كانت تدعو في هذا الدعاء، كما يذكر في مهج الدعوات للسيد ابن طاووس وكذلك كتاب بحار الأنوار على ما ذكره كتاب صحيفة الزهراء، تقول (عليها السلام) في دعاء طويل :

(اللهم إني أسالك باسمك المخزون الطيب الطاهر، الذي قامت به السماوات والارض، وأشرقت له الظلم، وسبحت له الملائكة ووجلت منه القلوب، وخضعت له الرقاب، وأحييت به الموتى، أن تغفر لي كل ذنب اذنبته في ظلم الليل وضوء النهار، عمداً أو خطأ سراً أو علانيةً، وأن تهب لي يقيناً وهدياً، ونوراً وعلماً وفهماً؛ حتى أقيم كتابك، وأحل حلالك، وأحرم حرامك. اللهم ألحقني بصالح من مضي، واجعلني من صالح مَن بقي واختم لي عملي بأحسنه، إنك غفور رحيم).

يمكن أن نقف خمس وقفات في هذا المقطع من الدعاء، وإلا فإن للدعاء ما يسبقه وله ما يلحقه.

الوقفة الأولى: ضرورة الخضوع بين يدي الله عز وجل


فيما يعرف في ثقافتنا بـ(الدعاء) فقد ورد في الأخبار عنهم (الدعاء مخ العبادة)(1)، وجاء في الكتاب الكريم ﴿قُلْ: مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان/77]، يعني أنك أيها الإنسان إنما تحرص المشيئة الإلهية على تزويدك بما تحتاج إليه لأن فطرتك، لأن تكوينك، لأن وجودك يمثل الفقر والاحتياج إلى الله عز وجل، وفي المقابل الحقُّ سبحانه وتعالى يمثل الجود والغنى واللطف، وطبيعة العلاقة بين هذا الكامل وهذا الناقص، بين هذا الغني وهذا الفقير، هو أن يتولى الغنيُّ رعايةَ شؤون الفقير، وأن يتولى الجوادُ رعايةَ شؤون مَن يحتاج إلى جوده.

لذلك نحن بحاجة إلى أن نكون من الدعَّائين وليس ممن ينطق بالدعاء فقط! ينبغي أن تكون سيرة حياة الإنسان أن يكون من أهل الدعاء؛ سواء الدعاء بلسانه أو الدعاء بقلبه. هذا الانقطاع إلى الله عز وجل مسألةٌ هامةٌ. وهذا ما جاء في كلامها (عليها السلام: اللهم إني أسألك) يعني أن هذا هو سيرتها، دأبها، طبيعة العلاقة التي تحكمها وتحكم شيعتها ومحبيها الذين يرغبون في السير على سيرتها.

الوقفة الثانية: معرفة الخالق

الوقفة الثانية هي الإنسان إذا أراد أن يدعو فإن هناك طرفين بينهما علاقة:

أ – مدعو، وهو الله عز وجل فهذا طرف.

ب – وداعٍ، وهو الإنسان، وهو طرف.

جـ - والدعاء هو تنظيم العلاقة بين الداعي والمدعو.

كيف للإنسان أن يبتهل إلى الله عز وجل وينقطع إلى الله ويتضرع إلى الله عز وجل، وهو لا يعرفه؟! مَن لا يعرف الله سيكون دعائه قاصراً وسيكون مقصِّراً، لذلك تعلَّمنا وعلَّمَنا أهلُ البيت (عليهم السلام) أن للدعاء أصولاً ومبادئَ وقواعدَ ينبغي أن تُراعى.

حينما جاء أحدهم إلى الإمام الصادق ، وقال إني اخترعت دعاءا قال: دعني من اختراعك)(2). ليس لنا، لا نستطيع، ليس لأن الدعاءَ مرفوضٌ بين الله عز وجل! تستطيع أن تدعو الله عز وجل بلغتك البسيطة بلغتك العامية، لكن إذا أردت أن تدعو الله كما ينبغي، ينبغي أن ترجع إلى رسول الله وآل بيته الذين هم الأعرف بالله سبحانه وتعالى.

مستويات معرفة الله

والزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) تسجل لنا معرفة على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: معرفة المخلوق للخالق على مستوى ذاته.


فتقول (عليها أفضل الصلوات والسلام): اللهم إني أسألك باسمك المخزون الطيب الطاهر)، يعني أنها تعرف الله عز وجل، وأن لله اسماً، ثم إن هذا الاسم ليس هو خلاف المسمى، كما هو حالنا أنت فلان واسمك كذا، نستطيع أن نغير من اسمك لأن اسمك إذا كان عليا أو حسنا أو محمدا أو أي اسم نستطيع أن نغير اسمك من علي إلى محمد أو من محمد إلى علي، لكن أسماء الله عز وجل تكشف عن واقع الكينونة الإلهية ولا نستطيع أن نلغي بعض أسماء الله عز وجل أو نستبدل أسماء الله سبحانه وتعالى الله، هو (الوهاب) أي أن ذاته هو الوهاب، ذاته هي الرزاق بلحاظ فعله، إلى غير ذلك من البحوث التي ذكرها العلماء في مظانه.

إذن، على مستوى معرفة الذات ينبغي على الإنسان أن يعرف، ولذلك جاءت أمثال سورة التوحيد وقد ورد في الخبر أن الله أنزل سورة التوحيد لأن هناك أقواما في نهاية الزمان سيأتي (أقوام متعمقون)(3)، أي يحتاجون إلى أن ينزل عليهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [التوحيد/ 1-3]. لو أردت أن تقف عند معاني وأسرار الآيات الشريفة لطال بك المقام والنتاج، وكلما زاد الإنسان معرفة بالله تعالى كلما كان أقرب إلى الحق سبحانه وتعالى لأنه يقول:

1 - ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر/28].

2 - والمطلوب منا أن نستزيد في هذا الباب فيقول الله عز وجل لأشرف خلقه وسيد رسله ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه/114].

3 - ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر/9] في مورد ثالث.

هذا على مستوى الذات.

المستوى الثاني: المعرفة على مستوى الصفات


وعلى مستوى الصفات ذكرت الفقرة الدعائية (اللهم إني أسألك باسمك المخزون الطيب الطاهر)، يعني أن الله عز وجل ذاتاً، ولهذا الذات صفاتٍ، وصفاته ليست شيئاً منفكاًّ عن ذاته. الله هو الطيب، الله عز وجل هو الطهر. نعبر عن هذا الطهر بـ(الطاهر)، ونعبر عن هذا الطيب بـ(الطيب).

لكن هناك عالم أسرار (اللهم إني اسألك باسم الطاهر المخزون)، لأن الناس لا يستطيعون أن يتعرفوا على الله عز وجل باعتبار أن المحدود؛ وهو نحن، لا يحيط باللا محدود؛ وهو الله عز وجل. هذا في المستوى الثاني.

المستوى الثالث على مستوى الأفعال


لله عز وجل تدبيراً وربوبيةً على هذا الكون بقدر ما يتيسر للناس أن يتعرفوا عليها. سهل عليهم التعامل مع معادلات، فقد يقتر الله عز وجل عليك في الرزق، لكن لعلمك أن لله حكمةً وأن لله تدبيراً وأن لله لطفاً بك ولا يسيء، كذلك كما أن الإنسان إذا منَّ الله عليه بسائر النعم لا يبلغ حد البطر ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد/28].

فالزهراء عليها السلام تذكر أن أفعال الله وأن أسماء الله سبحانه وتعالى في إدارة الكون، هذا الاسم (الذي قامت به السماوات والأرض)، أي أن قوام وجود السماوات والارض إنما هو بأسماء الله عز وجل، يعني أن هناك ارتباطاً مستمراًّ دائماً. الله عز وجل ماذا يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر/15]. أيها الإنسان أنت في مقابل الله ذاتُك الفقرُ، لا يمكن لك أن تعيش إلا بمقدار ما تمدك المشيئة الإلهية بالوجود، ولو قُدر لك أن تعدم؛ كما هو حال الجهاز الكهربائي بمجرد ما تنـزع عنه السلك سينتهي لا يستطيع أن يعمل، أنت أيها الإنسان يفيض الله سبحانه وتعالى عليك الوجود بشكل مستمر، لذلك لا نستطيع أن نستغني عن الله، ليس نحن وإنما السماوات ومن فيها الأرض ومن عليها (الذي قامت به السماوات والأرض). ولذلك نقول الله هو (القيوم) (وأشرقت له الظلم)؛ عالم الظلمات، إنما ينتقل إلى عالم النور بالله عز وجل فإن الله نور السماوات والأرض.

(وسبحت له الملائكة) هذه الوجودات العالية؛ الوجودات الراقية، تسبح لله عز وجل لأنها لا تعيش عالمنا، لم تُبتلَ بما ابتلينا به نحن من النقص حيث نحمِّل المشيئة الإلهية والذات الإلهية بعض معالم النقص لأننا ناقصون، أما أولئك الملائكة الذين يعرفون الله حق معرفته فإنهم يلهجون دائماً بتسبيح الله وتنـزيهه.

ليس هناك نقص تسببت فيه مشيئة الله الحق سبحانه وتعالى يقول ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء79]. ليس هناك سوء في إدارة الله عز وجل ونقص في إرادته، هناك خللٌ تسبب فيه هذا الإنسان. يأتي أحدهم للإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه) ويشكو من عدم توفيقه لقيام الليل يجيبه الامام مباشرة ذلك لذنب أذنبته(4).

آثار معرفة الله في تجسيد التقوى

هناك خللٌ وقع فيه هذا الانسان قلَّص عليه الرزق، قلَّص عليه بعض الخير، أو إن الله سبحانه وتعالى حرمك من بعض الخير لأنه قدر لك خيراً أفضل؛ كما هو الحال في الحامل تتألم، تتأذى، لكنها تصبر لأنها تعلم أن وراء هذا الالم وراء هذا الأذى خير هي سعت إلى أن تحققه وتناله من الله سبحانه وتعالى فتقول (وسبحت له الملائكة، ووجلت عنه القلوب) القلوب الحية، القلوب اليقظة، قلوب الناس الواعية، وليس كل الناس قلوبهم واعية ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الحاقة/12]، ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف/198]. ليس كلُّ مَن ملك البصر هو صاحب بصيرة! ليس كل من ملك أذناً يستطيع أن يستوعب! قد تأتي هذه المعلومة أو تلك لكن لا تعيها إلا الأذن الواعية، وهذا يحتاج إلى أن يرفع الإنسان عن نفسه بعض أسباب الحرمان التي تتسبب فيها تقصيراتُه، ذنوبُهُ، معاصيهُ، فتقول (ووجلت عنه القلوب)، القلوب اليقظة لا يمكن إلا أن تخاف الله عز وجل بل تقشعر جلودها من الخوف بين يدي الله عز وجل، ولو عمَّ هذا المعنى عندنا لقلَّت الجرائم، هذه الجرائم التي نشاهدها ويرتكبها الناس في حق بعضهم بعضا إنما يقعون فيها لأنهم لا يخافون الله عز وجل، أما الذي يخاف الله ويوجَل قلبُهُ من الله ولسانه، فلن ينطق بفحش في حق الآخرين؛ ممن لا يستحق أن ينطق به، لن تمتد يده للنيل من أحد بالبطش والسرقة والغصب، لن تخطو قدماه إلى منطقة يحرِّم الله سبحانه وتعالى الذهاب إليها، لن يستمع بأذنه، ولن ينظر بعينيه إلى شيء لا يرضى الله عز وجل أن يستمع إليه أو أن ينظر إليه. لا فرق عنده أن يكون في سر أو علن، في خلأ من الناس أو في ملأ من الناس، كل هذا عنده ليس فيه فرق، لأن عز وجل ﴿مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد/4]، فلنكن مع الله سبحانه وتعالى.

(ووجلت له القلوب، وخضعت له الرقاب)، رقبة الإنسان الحي، الإنسان الواعي، الإنسان الحكيم، لا يمكن إلا أن تخضع لله عز وجل ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء/65]، والسبب ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران/19]، إما أن يكون الرب هو الله فيأمرك، فإذا أمرك امتثلت أمره وإذا نهاك امتثلت نهيه، أما إذا تمردنا فإننا سندَّعي أننا نشارك الله في سلطانه؛ يأمر ونأمر، ينهى وننهى. لذلك يعبد بعض الناس ( الهوى ) ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان/43]، كما تَنُصُّ الآية.

والإنسان يتخذ إلهه هواه بأن ينساق وراء غرائزه، وراء رغباته، دون أن يراعي ما أحل الله وحرَّم.

ثم إن هذا الاسم فوق هذا وذاك (أحييت به الموتى)، سواء في :

أ - يوم القيامة حين يبعث الله عز وجل، أو في الرجعة؛ كما قامت عليه الأدلة.

ب - أو في الحياة الاعتيادية؛ كما هي حال بعض الناس يسير على الأرض لكنه ميت كيف يحيى قلبه ؟ بذكر الله عز وجل وبالالتصاق بالحق سبحانه ينتقل الإنسان من ضفة الموتى إلى ضفة الحياة.

الوقفة الثالثة: تقصير المخلوق تجاه الخالق


الوقفة الثالثة إصرارها (عليها الصلاة والسلام) على أن يستشعر الإنسان التقصير بين يدي الله عز وجل. ليس فينا أحدٌ [لم يقصر]، وكلٌّ في مرتبته، و (حسنات الأبرار سيئات المقربين)(5) النبي (صلى الله عليه وآله) وآل البيت ، حينما يقولون (اغفر لي كل ذنب أذنبته)، هو يعتقد أنه يعصي، لكن معصيته ليس كذنوب الناس؛ لأننا نعتقد بأنهم معصومون، لكنهم (عليهم الصلاة والسلام)، لأنهم يعرفون الله حق معرفته بقدر الطاقة البشرية، يجدون أن أي التفات إلى غير الله هو ذنبٌ يرتكبونه في حق الله، هو يعرف ويدرك أن انشغاله بالملبس والمأكل والمنكح على حساب الالتفات إلى الله والاستغراق هذا يعد في حق الله عز وجل في نظره ذنبٌ يجب عليه أن يستغفر منه، وإلا [فهو] في واقعه وفي التصنيف الفقهي والعقائدي هذا ليس ذنباً.

وهذه هي الأزمة التي سعى العلماء في التوفيق بين ما جاء في القرآن الكريم من الأدلة بأن الأنبياء معصومون وأن أهل البيت معصومون بنص الآية، مع تلك التعبيرات، كهذا الذي نقرؤه في هذا الدعاء (أن تغفر لي كل ذنب أذنبته)، هل الزهراء (عليها السلام) وقعت في معصية الله عز وجل حتى تستغفر من هذا الذنب في المعاصي التي نعرفها بالتصنيف الفقهي ؟! حاشاها أن تقع في شيء من ذلك ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب/33]. لكي هي (عليها أفضل الصلاة والسلام) ترى أن لله عز وجل حقاًّ والتقصير في أداء هذا الحق الكبير في نظرها يعد ذنباً، وإن كانت أيضاً في مقام التعليم (أن تغفر لي كل ذنب أذنبته في ظلم الليل وضوء النهار، عمداً أو خطأ، سراً أو علانية) هذا أيضاً توسعة لأنكم تعرفون - إخواني وأخواتي - أن المعاصي لا تعد معاصي بحيث يستحق الإنسان العقوبة من الله عز وجل فيها إلا أن تقع عن عمد، أما ما يقع خطأً فإن الشريعة الإسلامية لا تحاسب على الأخطاء الغير متعمدة، إلا فيما يرتبط بحقوق الناس فإن حقوق الناس لا يعفى عنها بل يجب عليك أن تؤدي حقوق الناس.

الوقفة الرابعة: طموح التكامل


الوقفة الرابعة هي: أنها (عليها أفضل الصلاة والسلام) تدفع بنا إلى أن نستشعر الطموح بالكمال، أن لا يعيش الإنسان في حالات الحضيض؛ في حالات التخلف. وتذكر لذلك أمرين اثنين:

الأمر الأول : المعرفة العقلية والوجدانية

ما الذي تطلبه الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) في هذه العبادة الجليلة؟

تقول : وأن تهب لي يقيناً وهدياً، ونوراً وعلماً وفهماً) ليس المطلوب منا أن نملك مالاً، المال لا يجعل منك شخصيةً، المال مفيدٌ لكنه ليس ضرورياًّ بقدر ضرورة الهدى والنور والعلم والفهم؛ لأن الفهم والنور والعلم يقربك من الله والجنة ويبعدك من الشيطان والنار، يقربك إلى الفضيلة ويبعدك عن الرذيلة، في حين أن المال - نعوذ بالله - قد يقربك من الرذيلة ويبعدك من الفضيلة، يقربك إلى النار ويبعدك عن الله عز وجل، فالمهم أن تسأل الله عز وجل ما يحافظ على إنسانيتك، والسبب ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر/28]. الإنسان إذا خلت نفسه من العلم نـزل به من الطوامِّ ما لا يستطيع أن يرد آثارها السلبية.

الأمر الثاني: القيام بالوظيفة وتطبيق البرامج

ما دمت عبداً لله والله عز وجل هو المولى فيجب أن تعمل بما ألزمك أن تعمل به. هذه الشريعة التي أنـزلها الله عز وجل علينا لا ينبغي أن نتعامل معها بالشكل الذي نختار أن نطبق ونختار أن لا نطبق !! أو نختار أن نطبق بعض الأحكام ونختار أن لا نطبق بعض الأحكام !! لا، هذا الكتاب الكريم الذي ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء/9]. مطلوب منك أيها الإنسان أن تطبقه وإلا فإنك ستسير في هدي غير هدى الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها).

فتقول الزهراء هذا الهدى والعلم والنور لأي شيء ؟

(حتى تقيم كتابك) يعني أن الإنسان إنما يقيم كتاب الله بقدر ما عنده من اليقين بقدر ما يملك من النور.

بقدر ما يتحلى من العلم والهدي والفهم حتى أقيم كتابك وأحل حلالك وأحرم حرامك وأؤدي فرائصك

وأقيم سنة نبيك ولذلك حينما نقول أن آفة الأمة بعض الوعي قلة العلم شيوع الجهل بين الناس بالله عز وجل وبكتابه هو الذي يجعل الإنسان عدو ما جهل عدو كتاب الله من حيث يدرك أو من حيث لا يدرك .

الفقرة الخامسة: الثبات والاستقامة


قد يوفق الإنسان إلى أن ينتصر على عدوه لكنه قد يُحرَم مِن أن يكون منتصر على هذه القمة الكبيرة لذلك تقول : ( اللهم ألحقني بصالح من مضى واجعلني من صالح من بقي)، المهم أن تبقى في حالة الصلاح وفي حالة الفلاح بأن تلتحق بركب من سبقك وأن تبقى مع الصالحين، ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة/119]، (واختم لي علمي بأحسنه).

هذه مدرسة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها)، والتي ينبغي أن نتفجّع ونتألم على ما أصابنا من شهادتها (صلوات الله وسلامه عليها) خصوصاً على ما لحق بها من الظلم والأذى حتى أن أمير المؤمنين ذكر في تأبينها قوله :

السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك. قلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورق عنها تجلدي. إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعز. فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك. إنا لله وإنا إليه راجعون. فلقد استُرجِعَت الوديعةُ، وأُخِذَت الرهينةُ. أما حزني فسرمدٌ، وأما ليلي فمسهَّدٌ إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم. وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها؛ فأحفها السؤال واستخبرها الحال. هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر. والسلام عليكما سلام مودِّع لا قالٍ ولا سئم. فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين).



والحمد لله رب العالمين.


رشحنا لأفضل المواقع الشيعية
القائمة الرئيسية
البحث
الكل
المكتبة الصوتية
الأخبار
الصفحات الفرعية
مركز التنزيل
أحصائيات الشبكة

عدد الزوار

Alexa Certified Site Stats for www.alsfir.net

free counters