أصول التفكير العلمي عند الإمام الجواد عليه السلام
الشيخ محمد علي الحرز
لقد تقلد الإمام الجواد عليه السلام منصب الإمامة ، والزعامة الدينية بعد والده الإمام الرضا عليه السلام وهو طفل بعد لم يتجاوز سن السابعة ، واستطاع خلالها يثبت أن العمر ليس مقياس لتشخيص القدرة العلمية لأي إنسان خاصة إذا كان مسدد بقوى إلهية ، ومدعوم بحكمة ربانية تحيطه بعنايتها ، وتشمله بألطافها .
ولعل الجانب العلمي ، والسمو الروحي لم تكن الميزة الوحيدة للإمام الجواد عليه السلام الذي تجلت فيه كوكبة من الخصائص والمزايا رغم قصر فترة إمامته وشهادته في حادثة سنه ، وحيث أننا لا نستطيع أن نحيط بمجمل صفاته فضلاً عن تفصيلها ، لذا سنكتفي بسمة واحدة أعتقد أنها تشكل جانب مهم من شخصية الإمام عليه السلام ، ونحن بحاجة ماسة أن نتتلمذ على تعاليمها ونستقي من منهلها ، ألا وهي " أصول التفكير العلمي " الذي كان يتمتع به الإمام ، والذي عمل بجد على فتح آفاقه لأعلام عصره عبر مواقفه ، وأسلوبه في المناظرات ، وهذا ما سنحاول تبيانه خلال بعض النقاط :
نورانية العلم :
" ليس العلم بكثرة التعلم ، وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء " .
من الأمور العالقة والمسلمة في الأذهان إن المسائل العويصة ، والمعارف العميقة لا يستطيع الإحاطة بها إلا من صرم عمره ، وأمضى حياته في مجالس العلم والمعرفة ، وواحدة من علامات ذلك عامل السن ، وحضور الدرس ، ومجالسة العلماء ، إضافة إلى الملكات العقلية ، والقدرة الذهنية .. وغيرها من العوامل التي تسهم بطريقة أو أخرى في صنع العالم وبناء جبلته العلمية.
فجاء الإمام الجواد عليه السلام ليفرض بعداً آخر جعله في مقدمة هذه العوامل ، إن لم نقل القاعدة التي تنطلق منها كل تلك الأمور ، وهي عامل التوفيق والسداد الإلهي ، فالعلم أولاً وآخراً "نور يقذفه الله في قلب من يشاء " .
فكانت الخطوة لتوضيح هذه المعادلة ما عمل عليه والده الإمام الرضا عليه السلام من توضيح الرؤية :
فقد رُوي عن صفوان بن يحيى أنه سأل الرضا (ع) عن الخليفة بعده، فأشار الإمام إلى ابنه الجواد (ع) وكان في الثالثة من عمره فقال صفوان: جعلت فداك! هذا ابن ثلاث سنين؟! فقال (ع): وما يضر ذلك؟ لقد قام عيسى (ع) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين. وكان الرضا (ع) يخاطب ابنه الجواد (ع) بالتعظيم وما كان يذكره إلاّ بكنيته فيقول "كتب إليّ أبو جعفر" و"كنت أكتب إلى أبي جعفر" وكان يكرر هذا الكلام في حق ابنه رغم صغر سنه دفعاً لتعجب الناس من انتقال الخلافة إليه وهو صغير السن، كما كان يستشهد على أن البلوغ لا قيمة له في موضوع الإمامة بقوله تعالى في شأن يحيى (ع): "واتيناه الحكم صبيا".
العقلية الممنهجة:
من الدروس المهمة التي علمها الإمام الجواد عليه السلام لعلماء عصره ، هي مسألة التقسيم العلمي للمسائل وفق أطر ممنهجة وليست عشوائية ، فالعلم وحده دون وضوح في الرؤية ، وقدرة على إدراك حقيقة العلم وآفاقه قد يكون وبال على الإنسان وليس نعمة ، وإليك هذا المنال من حياة الإمام الجواد عليه السلام عندما حاول ابن أكثم إحراج الإمام عليه السلام ظناً منه أنها عويصة وفوق مستوى سنه ، فرد عليه الإمام بدرس معمق في الفقه الإسلامي وأصول التفكير العلمي :
تقول الرواية قام المأمون بإحضار قاضي القضاة يحيى بن أكثم ليمتحن الإمام (ع). واختيارهم لقاضي القضاة وهو أعلى منصب ديني في الدولة آنذاك يدل على مدى خوفهم من الإمام واعترافهم بعظمته رغم صغر سنه. وفي مجلس حاشد واجه القاضي يحيى الإمام (ع) بالمسألة التالية: ما تقول في محرم قتل صيداً؟ وبكل بساطة واطمئنان أجاب الإمام (ع): قتله في حِلٍ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأ؟ حراً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم غيرها؟ من صغار الصيد أم من كبارها؟ مصراً على ما فعل أم نادماً؟ ليلاً كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟ واشرأبت الأعناق إلى القاضي يحيى الذي كان أعجز من أن يتابع مسألة الإمام (ع) فبان عليه الارتباك وظهر فشله وعجزه، فقال المأمون لهم: أعرفتم ما كنتم تجهلون؟ وتوّج المأمون انتصاره بعقد قران ابنته من الإمام (ع) في نفس المجلس.
معطيات الرواية :
فالرواية إضافة لمحتواها العلمي تفيدنا على عدة أصعدة :
1- من الخطأ أن يغتر الإنسان بعلمه ، ويضن أنه أعلم العلماء .
2- الموسوعية التي يتمتع بها الإمام عليه السلام ، وسعة أفقه العلمي وشموليته .
3- أهمية الدقة في طرح السؤال ، لنحصل على الإجابة المناسبة ، فالسؤال العام قد يؤدي إلى فهم خاطئ ، وضياع الغاية من السؤال .
4- إن العلم لنفع الناس وليس لمجادلة العلماء والعمل على إحراجهم ، فالعلم الذي من هذا القبيل نقمة وليس نعمة .
5- العالم المحق عليه أن يكون واثقاً من نفسه ليكون الله ناصره ، فـ " من كان مع الله كان الله معه " .
من أخلاقيات العلم :
كما لكل علم أصول وقواعد وأخلاقيات المهنة التي ينبغي أن يتحل بها كل ممارس لها ، كذلك للعلم وإيصاله للناس له أخلاقيات وآداب يوضحها الإمام الجواد عليه السلام من خلال سيرته ومنهجه مع طلاب العلم وبغاته :
- وجود القابلية :
لا يقع للعلم تأثيره السلوكي والنفسي ما لم ينزل في الأرضية المناسبة المتقبلة له، وإلا كنا أشبه بمن يكتب على الماء ، أو يزرع الشيء في غير موسمه فهو هباء ، فكان الإمام من منهجه زرع العلم في الأرض الطيبة :
فقد جاء رجل إلى الإمام وقال أوصني:
قال: أو تقبل؟
قال: نعم.
فقال (ع):
"توسد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم أنك لن تخلو من عين اللّه، فانظر كيف تكون".
- عدم التناقض :
من موانع تأثير الكلمة وولوجها إلى بوابة القلب ، هو التنافر بين القول والفعل ، فلا تأمر وتدعو ما أنت أبعد ما تكون عنه ، فإن فعلت أكسبت كلماتك إشراقها ، وخلقت لها نورها ، لذا من وصايا الإمام المهمة في هذا الحقل قوله :
"لا تكن ولياً للّه تعالى في العلانية، وعدواً له في السر".
- تربية الكوادر العلمية :
قام الإمام بتربية نخبة كبيرة من الكوادر العلمية التي كانت رسل الإمام بين الناس ومبلغة لفكره ومنهجه العلمي ، وهؤلاء كانت لهم أيادي بيضاء على الساحة الدينية ، فمعظمهم من الحديثين الكبار ، ولهم مصنفات مختلفة ، جميعها مقتبسة من نور الأئمة ، وهذه سمة العالم الفاعل الذي لا يحتكر العلم وإنما يبثه بين الناس ، وإليك قائمة بأبرز تلاميذ مدرسة الإمام عليه السلام :
- الحسن بن سعيد الأهوازي .
- محمد بن اسماعيل ابن بزيع .
- احمد بن أبي عبد الله البرقي.
- علي بن مهزيار.
- صفوان بن يحيى.
- عبد الله بن الصلت.
- علي بن اسباط.
- ابراهيم بن أبي محمود الخراساني.
- ابراهيم بن محمد الهمداني.
- قضاء حوائج الناس :
العالم طبيب دوار بعلمه ، يقضي حوائج الناس ، ويشاركهم همومهم والإمام الجواد عليه السلام ، كان مثلاً أعلى في خدمة الناس وقضاء حوائجهم النفسية والجسدية :
روي عن الشيخ أبي بكر بن إسماعيل أنه قال: «قلت لأبي جعفر ابن الرضا (عليه السلام): إن لي جارية تشتكي من ريح بها، فقال: ائتني بها فأتيت بها فقال: ما تشتكين يا جارية؟ قالت: ريحاً في ركبتي، فمسح يده على ركبتها من وراء الثياب فخرجت الجارية من عنده ولم تشتك وجعاً بعد ذلك ».
وروي عن محمد بن عمير بن واقد الرازي أنه قال: «دخلت على أبي جعفر ابن الرضا (عليه السلام) ومعي أخي به بهر شديد فشكى إليه ذلك البهر ، فقال (عليه السلام): عافاك الله ممّا تشكو، فخرجنا من عنده وقد عوفي فما عاد إليه ذلك البهر إلى أن مات.
وأخيراً هذه نبذة وقبس بسيط من هدي الإمام الجواد عليه السلام ، ليكون لنا معلماً ومدرسة نسير على نهجه ، وننهل من معينه .
| زائر |
05/06/2009 م
|
![]() مجموعة العضو: الزوار |
سؤال: نسمع أنَّ الإمام الجواد صلوات الله عليه قد تلمذ عليه عدد منَ الأصحاب -رضوان الله عليهم- ذكرتَ بعضهم ،قيل أن عددهم يربو على المائة عالماً .وهنا يقع السؤال :لو كان مجموع ما حفظه كلٌّ منهم حديثين اثنين لكان مجموع الأحاديث المروية عن هذا الإمام المظلوم مائتي حديث أو أكثر ؛لماذا لاينقل عن الجواد -وهوالجواد- غير حديثين أو ثلالة في مجلس المأمون عبد الله ؟ أين تراث الجواد ياترى ؟؟!! |
3
05/06/2009 م


